وهبة الزحيلي
209
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يطلبون منه صراحة أو بلسان الحال كل ما يحتاجون إليه من الحدوث والبقاء للذوات ، والسعادة والرزق في الأحوال . كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ كل وقت هو في أمر من الأمور ، يحدث أشخاصا ، ويجدّد أحوالا على ما سبق به قضاؤه في الأزل ، من إحياء وإماتة ، وإعزاز وإذلال ، وإغناء وإعدام ، وإجابة داع وإعطاء سائل ، وغير ذلك . المناسبة : بعد تعداد النعم الدينية والدنيوية والأخروية ، والاستدلال على قدرة اللّه وتوحيده في الأنفس والآفاق ، نعى الحق سبحانه وتعالى الكون بأجمعه ، وأخبر بأن جميع النعم الدنيوية والكائنات فانية ، ولا يبقى إلا ذات اللّه تعالى . التفسير والبيان : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ أي جميع من على الأرض من الناس والحيوانات ، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء اللّه ، سيفنون ويموتون ، وتنتهي حياتهم جميعا ، ولا يبقى إلا ذات اللّه سبحانه ذو العظمة والكبرياء ، والإفضال والإكرام الذي يكرم به المخلصين من عباده ، وهذه الصفة ( صفة الجلال والإكرام ) من عظيم صفات اللّه ، وأعظم النعمة مجيء وقت الجزاء عقب ذلك ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أنس : « ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام » أي الزموا ذلك في الدعاء ، ومرّ صلى اللّه عليه وسلم برجل ، وهو يصلي ويقول : يا ذا الجلال والإكرام ، فقال : « قد استجيب لك » . و في الدعاء المأثور : يا حيّ يا قيّوم ، يا بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك . ونظير الآية : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ القصص 28 / 88 ] قال ابن كثير : وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية